الركن الأول : الإيمان بالله
الإيمان بالله يعني: أن تؤمن بأن الله رب هذا الكون وخالقه ومدبره، وهو الذي يجب أن تصرف له جميع العبادات وحده لا شريك له، وأن له الأسماء الحسنى والصفات العليا التي تليق بجلاله وعظمته.
وعلى هذا فإن الإيمان بالله تعالى يشتمل على أنواع التوحيد الثلاثة:
أ- توحيد الربوبية:
وهو توحيد الله بأفعاله وهو: الإقرار بأن الله هو وحده الخالق للعالم، وأنه الرب الرازق المدبر المحيي المميت النافع الضار.. إلى غير ذلك من خصائص الربوبية.
والإقرار بهذا النوع من التوحيد مركوز ومستقر في فطر البشر ولا ينازع فيه أحد من الناس إلا الشواذ والنوادر المكابرون، حتى إن المشركين الذين بعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم كانوا مقرين بهذا النوع من التوحيد.
قال عز وجل: {قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون } [يونس: 31].
وقال عز وجل: {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون } [الزخرف: 87].
تنبيه مهم:
لا يكفي أن يؤمن الإنسان بهذا النوع من التوحيد حتى يُسلم ويدخل في الدين؛ بل لابد له من الإيمان بالأنواع الثلاثة كلها وخاصة توحيد الألوهية كما سيأتي.
ب- توحيد الألوهية: توحيد العبادة.
وهو إفراد الله تعالى بجميع أنواع العبادة، وهو معنى شهادة أن لا إله إلا الله، وهذا التوحيد هو الذي من أجله خلق الجن والإنس. كما قال عز وجل: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } [الذاريات: 56]. قال ابن عباس: "يعبدون : يوحدون ".
وهذا التوحيد هو الذي من أجله بعثت الرسل وأنزلت الكتب، قال عز وجل: {ولقد بعثنا في كل أمةٍ رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } [النحل: 36].
وقال عز وجل:{وما أرسلنا من قبلك من رسولٍ إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون } [الأنبياء: 25].
هذا التوحيد هو الذي بعث من أجله النبي صلى الله عليه وسلم، وظل في مكة ثلاثة عشر عاماً لا يدعو إلا إليه، وربّى أصحابه على معرفته والتعمق في معانيه، قال صلى الله عليه وسلم: (بُعِثْتُ بَيْنَ يدَيْ السَّاعَةِ بِالسَّيْفِ حَتَّى يُعْبَدَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي، وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي، وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُم ) رواه أحمد، وقال العراقي: إسناده صحيح.
هذا التوحيد هو الذي تحصل به النجاة يوم القيامة، وأي عبد يأتي يوم القيامة وهو غير موحد لربه في عبادته، فإنه من أهل النار الخالدين فيها.
قال صلى الله عليه وسلم: (مَنْ لَقِيَ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّة ) رواه البخاري ومسلم.
هذا التوحيد معناه العملي: أنك لا تدعو إلا الله، ولا ترجو إلا الله، ولا تخاف إلا من الله، ولا تخشى إلا الله، ولا تتوكل إلا على الله، ولا تصلي إلا لله، ولا تصوم إلا لله، فمن صرف شيئاً من أنواع العبادة لغير الله، سواء كان لحي أو ميت، لنبي أو لولي، فقد هدم توحيده ووقع في الشرك الأكبر.
هذا التوحيد هو أول ما يجب على الداعية المسلم أن يعلم الناس أحكامه، وهذا هو منهج النبي صلى الله عليه وسلم الذي ربّى عليه أصحابه حينما كان يرسلهم للدعوة إلى الله.
فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن قال له: (إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّه ) وفي رواية: (إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعَالَى ) رواه البخاري ومسلم.
فالدعوة إلى توحيد العبادة هي أول شيء يجب أن ندعو الناس إليه؛ هذا التوحيد هو أساس قوة الأمة ونصرها على أعدائها، وبغير هذا التوحيد لن تستطيع أن تهزم أعداءها، أو أن تمتنع منهم. ولاخيار لها إن أرادت البقاء قوية عزيزة إلا أن تتربى عليه وتربي أجيالها.
قال عز وجل: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون } [النور: 55].
وسوف نتكلم بالتفصيل عن أهم مسائله، كالشهادتين ومعناهما وشروطهما ونواقضها، وما يضاد توحيد العبادة من الشرك ووسائله وأنواعه وأحكامه، وغير ذلك في مباحث قادمة إن شاء الله.
ج- توحيد الأسماء والصفات:
وهو أن يوصف الله بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته، من غير تحريف ولا تأويل ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تشبيه ولا تمثيل.
قال الله عز وجل: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون } [الأعراف: 180].
وقال سبحانه: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } [الشورى: 11].
الأسس التي قام عليها مذهب أهل السنة والجماعة في باب توحيد الأسماء والصفات:
1. أسماء الله وصفاته توقيفية: يعني أنه لا يجوز لأحد أن يسمي الله، أو يصفه بشيء لم يرد في الكتاب ولا في السنة، ولا ينفي عن الله اسماً ولا صفةً لم يرد نفيها في الكتاب ولا في السنة.
2. أن ما وصف الله به نفسه فهو حق يُحمل على حقيقته، ليس فيه ألغاز ولا غموض؛ بل معناه معروف للجاهل والمتعلم؛ فمثلاً: الله سميع عليم، أي: له سمع وله علم يليق به سبحانه وتعالى؛ لأننا نعرف معنى السمع ومعنى البصر ومعنى العلم، ولكن لا نعلم كيف هي، لكننا نجزم بأنها لا تشابه سمع المخلوقات ولا علمهم ولا بصرهم.
3. أن إثبات صفات الله إثبات بلا تمثيل، لأن الله ليس كمثله شيء، ولم يكن له كفواً أحد، لأننا إذا قلنا: إن الله لا يشبه المخلوقات، فكذلك صفاته سبحانه لا تشبه صفات المخلوقات.
4. أن الله منزه عن النقائص والعيوب، ومالا يليق به سبحانه، ولكن لا ننفي عنه ما وصف به نفسه، وما وصفه به رسوله بحجة تنزيه الله عن النقائص والعيوب، كما فعل أصحاب البدع.
5. أن أي صفة أو اسم ينسب لله سبحانه لم يرد في الكتاب ولا في السنة لا يجوز نسبته لله سبحانه، ولا يجوز نفيه عن الله؛ بل ينظر إلى معناه، فإن كان حقاً يليق به سبحانه أثبتنا المعنى ولم نثبت اللفظ؛ لأن اللفظ لم يرد في الكتاب ولا في السنة؛ ولأن العقل لا يدرك صفات الله سبحانه استقلالاً لأنها غيب عنا لم نرها.
6. أن أسماء الله سبحانه لا حصر لها بعدد معين، لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ ) رواه أحمد، وحسنه النووي.
7. أن أسماء الله التي يمكن حصرها وليس حصراً لجميعها: تسعة وتسعون (99) اسما لقوله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّة ) رواه البخاري ومسلم.
ولم يصح عن النبي صلى الله عليه حديث في تعداد أسماء الله كلها، ولكن ورد حديث ضعيف عند الترمذي لا تقوم به الحجة، وقد اجتهد العلماء في حصرها وجمعها من كتاب الله وصحيح سنة رسول الله حتى ينالوا هذا الأجر العظيم.





رد مع اقتباس

المفضلات