أنا
الليلُ يسألُ مَن أنا
أنا سرُّهُ القلقُ العميقُ الأسودُ
أنا صمتُهُ المتمرِّدُ
قنّعتُ كنهي بالسكونْ
ولففتُ قلبي بالظنونْ
وبقيتُ ساهمةً هنا
أرنو وتسألني القرونْ
أنا من أكون ؟
الريحُ تسألُ مَنْ أنا
أنا روحُهَا الحيرانُ أنكرني الزمانْ
أنا مثلها في لا مكان
نبقى نسيرُ ولا انتهاءْ
نبقى نمرُّ ولا بقاءْ
فإذا بلغنا المُنْحَنَى
خلناهُ خاتمةَ الشقاءْ
فإذا فضاءْ
!

والدهرُ يسألُ مَنْ أنا
أنا مثله جبارةٌ أطوي عُصورْ
وأعودُ أمنحُها النشورْ
أنا أخلقُ الماضيْ البعيدْ
من فتنةِ الأملِ الرغيدْ
وأعودُ أدفنُهُ أنا
لأصوغَ لي أمساً جديدْ
غَدُهُ جليد
والذاتُ تسألُ مَنْ أنا
أنا مثلها حيرَى أحدّقُ في الظلام
لا شيءَيمنحُني السلامْ
أبقى أسائلُ والجوابْ
سيظَلّ يحجُبُه سرابْ
وأظلّ أحسبُهُ دَنَا
فإذا وصلتُ إليه ذابْ
وخبا وغابْ


عاشقة الليل
ظلامَ الليــلِ يا طــاويَ
أحزانِالقلوبِ
أُنْظُرِ الآنَ فهذا
شَبَحٌباديالشُحـــوبِ
جاء يَسْعَى ، تحتَ أستاركَ ، كالطيفِ
الغريبِ
حاملاً في كفِّه العــودَ
يُغنّـــي للغُيوبِ
ليس يَعْنيهِ سُكونُ الليـلِ
فيالواديالكئيبِ

* * *
هو ، يا ليلُ ، فتاةٌ شهد
الواديسُـــرَاها
أقبلَ
الليلُعليهــا فأفاقتْمُقْلتاهـــا
ومَضتْ تستقبلُ الوادي بألحــانِ
أساهــا
ليتَ آفاقَكَ تــدري ما تُغنّـي
شَفَتاهــا
آهِ يا ليلُ ويا ليتَــكَ تـدري
مامُنَاهــا

* * *
جَنَّها الليلُ فأغرتها الدَيَاجــي والسكــونُ
وتَصَبَّاها جمالُ
الصَمْــتِ ، والصَمْتُفُتُونُ
فنَضتْ بُرْدَ نَهارٍ لفّ مَسْــراهُ
الحنيـــنُ
وسَرَتْ طيفاً حزيناً فإِذا الكــونُ
حزيــنُ
فمن العودِ نشيجٌ ومن الليـــلِ
أنيـــنُ

* * *
إِيهِ يا
عاشقةَالليلِوواديـــهِالأَغــنِّ
هوَ ذا
الليلُ صَدَى وحيٍورؤيـــامُتَمنِّ
تَضْحكُ الدُنْيا وما
أنتِ سوىآهةِحُــزْنِ
فخُذي
العودَعنالعُشْبِوضُمّيهِوغنّـي
وصِفي
مافيالمساءِالحُلْوِمنسِحْروفنِّ

* * *
ما الذي ، شاعرةَ
الحَيْرةِ ،يُغْريبالسمـاءِ ؟
أهي أحلامُ الصَبايا
أمخيالُالشعـــراء ؟
أم هو
الإغرامُبالمجهولِأمليلُالشقــاءِ ؟

أم ترى الآفاقُتَستهويكِأم سِحْرُالضيـاءِ ؟
عجباً
شاعرةَالصمْتِوقيثارَالمســـاء

* * *
طيفُكِ الساري شحـوبٌ وجلالٌ
وغمـوضُ
لم يَزَلْ
يَسْريخيالاًلَفَّـهالليلُالعـريضُ
فهو
ياعاشقةَالظُلْمةأســـرارٌتَفيضُ
آه
ياشاعرتيلنيُرْحَمَالقلبُالمَهِيـضُ
فارجِعي لا تَسْألي
البَرْقَفمايدريالوميضُ

* * *
عَجَباً ، شاعرةَ
الحَيْرةِ ، ماسـرُّالذُهُـولِ ؟
ما الذي
ساقكِطيفاًحالِماًتحتَالنخيـلِ ؟
مُسْنَدَ
الرأسِإلىالكفَينِفيالظلِّالظليـلِ
مُغْرَقاً
فيالفكروالأحزانِوالصمتِالطويلِ
ذاهلاً عن
فتنةِالظُلْمةفيالحقلِالجميـلِ

* * *
أَنْصتي
هذاصُراخُالرعْدِ ، هذيالعاصفاتُ
فارجِعي لن تُدْركي
سرّاًطوتْهُالكائنــاتُ
قد جَهِلْناهُ وضنَــتْ بخفايــاهُ
الحيــاةُ
ليس
يَدْريالعاصـفُالمجنونُشيئاًيافتاةُ
فارحمي قلبَكِ ، لــن تَنْطِقُ
هذيالظُلُماتُ

4-4-1945
----------------------
المصدر
: ديوان نازك الملائكة ، المجلد الأول ، ص 546 ، دار العودة - بيروت ، 1986 .


في وادي الحياة
عُدْ
بِي يازورقيالكَلِيـلافَلَنْنَرَىالشاطيءَالجَمِيـلا
عُدْ بِي إلى مَعْبـَدِي
فـإنّيسَئِمْتُ يَا زَوْرَقِـيالرَّحِيـلا
وضِقْتُ
بالموجِأيَّضِيـقٍوما شَفَى البحـرُليغَلِيـلا
إلامَ
يازورقيالمُـعَنَّـىنَرْجُوإلىالشَّاطِيءِالوُصُولا؟
والمَوْجُ
مِنْ حَولنـاجِبَـالٌسَدَّتْعَلىخَطْوِنَاالسَّبِيـلا
والأُفـقُ
مِنْحَولنا غُيُـومٌلانَجْمَفِيهلَنَـادَلِيـلا
كَمْ
زَورقٍقبلَنـاتَوَلَّـىوَلَمْيَزَلْسَـادِراًجَهـُولا
فَعُـدْ
إلىمعبديبقلـبيوَحَسْـبُأيامنـاذُهـولا

* * *
حسبُكَ
يازورقـيمَسيراًلنيُخْدَعَالقلبُبالسَّـرابِ
وارجِعْ، كما جِئْتَ ، غيرَ دَارٍ
قد حَلُكَالجـوُّبالسَّحَـابِ
وَمـَلَّ
مجدافُـكَالـمُعَنَّىتَقَلُّـبَالمـوجِوالعُبَـابِ
ولم
يَزَلْمعبـديبعيـداًخَلْفَالدياجيـرِوالضَّبَـابِ
يَشُوقُني
الصَّمْتُفي حِمَـاهُوَفِتْنَـةُالأَيْـكِوالرَّوَابـي
عُدْ بيَ
يـا زورقـيإليـهِقَدْ حَانَ ، يازورقي ،إِيَابِـي
مَا كَفْكَفَ البَحْرُ من
دُمُوعِيولاجَـلاعَنّـيَاكْتِئَابـي
فَفِيمَ
فيمَوْجِهِاضطرابـي؟وأينَ ، يازورقي ،رِغَابِـي؟

* * *
تَائِهـَةٌ
،والحيـاةُبحـرٌشَاطِـئُهُمُبْعِـدٌسَحِيـقُ
تَائِهـَةٌ
والظـلامُدَاجٍوالصَّمْتُتحتَالدُّجَىعَمِيقُ
يَا زورقي
آهِلَـوْرَجَعْنَـامِنْ قَبْلأَنْيَخْـبُوَالبَرِيـقُ
انْظُرْ
حَوَالَيْكَ ،أَيُّنَـوْءٍتَجْمَدُمِنْهَوْلِـهِالعُـرُوقُ
البحرُ ، يا
زَورقِيجُنُـونٌومـوجُـهُثَائِـرٌدَفُـوقُ
وَكُـلّ
يَوْمٍلـَهُصَرِيـعٌفي هَجْعَـةِالموتِ لايُفِيـقُ
وَأَنْتَ
فيالموجِوالدياجِييا زورقـي فيغَـدٍغَرِيـقُ
فَعُدْ
إلىالأمْسِ ،عُدْإليهِقـدشَاقَنيأَمْسِيَالوَرِيـقُ

* * *
مَاذَا
وَرَاءَالحياةِ ؟مَـاذَا ؟أَيُّغُمـُوضٍ ؟وَأَيُّسِـرِّ
وَفِيمَ جِئْنَا ؟
وَكَيْفَنَمْضِي؟يـا زورقي ، بَلْ لأَيِّبَحْـرِ
يَدْفَعُكَ
الموجُكُـلَّيَـوْمٍأَيْـنَتُـرَىآخِـرُالمَقَـرِّ
يا زورقي
طَالَبيذُهُـوليوَأَغْرَقَالوَهْـمُجَوَّعُمْرِي
أَسْرِي كَمَا تَرْسُمُ المقادِيرُ
ليإلىحَيْـثُلَسْـتُأدْرِي
شَرِيدَةٌ
فيدُجَـى حَيَاتِـيسَـادِرَةٌفيغُمُوضِدَهْـرِي
فَخَافِـقٌ
شَاعِـرٌ ،وَرُوحٌقَـالَ لـها الدَّهْرُلاتَقَـرِّي
وَنَاطَهَـا بِالذُّرَى
تُغَـنِّـيوَتَنْظِمُالكَوْنَبَيْـتَشِعْـرِ

12-6-1945
م

------------------------
المصدر
: ديوان نازك الملائكة ، المجلد الأول ، ص 550 ، دار العودة - بيروت ، 1986


أغنية حب للكلمات
َفيمَ نخشَى الكلماتْ
وهي أحياناً أكُُفٌّ من ورودِ
بارداتِ العِطْرِ مرّتْ عذْبةً فوق خدودِ
وهي أحياناً كؤوسٌ من رحيقٍ مُنْعِشِ
رشَفَتْها، ذاتَ صيفٍ، شَفةٌ في عَطَشِ
* * *
فيم نخشى الكلماتْ ؟
إنّ منها كلماتٍ هي أجراسٌ خفيّهْ
رَجعُها يُعلِنُ من أعمارنا المنفعلاتْ
فترةً مسحورةَ الفجرِ سخيّهْ
قَطَرَتْ حسّا وحبّاً وحياةْ
فلماذا نحنُ نخشى الكلماتْ؟
* * *
نحنُ لُذْنا بالسكونِ
وصمتنا، لم نشأ أن تكشف السرَّ الشِّفاهُ
وحَسِبنا أنّ في الألفاظ غُولاً لا نراهُ
قابعاً تُخْبئُهُ الأحرُفُ عن سَمْع القرونِ
نحنُ كبّلنا الحروف الظامئهْ
لم نَدَعْها تفرشُ الليلَ لنا
مِسْنداً يقطُرُ موسيقَى وعِطْراً ومُنَى
وكؤوساً دافئهْ
* * *
فيم نخشى الكلماتْ؟
إنها بابُ هَوىً خلفيّةٌ ينْفُذُ منها
غَدُنا المُبهَمُ فلنرفعْ ستارَ الصمتِ عنها
إنها نافذةٌ ضوئيّةٌ منها يُطِلّ
ما كتمناهُ وغلّفناهُ في أعماقنا
مِن أمانينا ومن أشواقنا
فمتى يكتشفُ الصمتُ المملُّ
أنّنا عُدْنا نُحبّ الكلماتْ؟
* * *
ولماذا نحن نخشَى الكلماتْ ؟
الصديقات التي تأتي إلينا
من مَدَى أعماقنا دافئةَ الأحرُفِ ثَرّهْ ؟
إنها تَفجؤنا، في غَفْلةٍ من شفتينا
وتغنّينا فتنثالُ علينا ألفُ فكرهْ
من حياةٍ خِصْبة الآفاقِ نَضْرهْ
رَقَدَتْ فينا ولم تَدْرِ الحياةْ
وغداً تُلْقي بها بين يدينا
الصديقاتُ الحريصاتُ علينا، الكلماتْ
فلماذا لا نحبّ الكلماتْ؟
* * *
فيمَ نخشى الكلماتْ؟
إنّ منها كلماتٍ مُخْمليات العُذوبَهْ
قَبَسَتْ أحرفُها دِفْءَ المُنى من شَفَتين
إنّ منها أُخَراً جَذْلى طَروبهْ
عَبرَت ورديّةَ الأفراح سَكْرى المُقْلتين
كَلِماتٌ شاعريّاتٌ، طريّهْ
أقبلتْ تلمُسُ خَدّينا، حروفُ
نامَ في أصدائها لونٌ غنيّ وحفيفُ
وحماساتٌ وأشواقٌ خفيّهْ
* * *
فيمَ نخشى الكلماتْ؟
إن تكنْ أشواكها بالأمسِ يوماً جرَحتْنا
فلقد لفّتْ ذراعَيْها على أعناقنا
وأراقتْ عِطْرَها الحُلوَ على أشواقنا
إن تكن أحرفُها قد وَخَزَتْنا
وَلَوَتْ أعناقَها عنّا ولم تَعْطِفْ علينا
فلكم أبقت وعوداً في يَدَينا
وغداً تغمُرُنا عِطْراً وورداً وحياةْ
آهِ فاملأ كأسَتيْنا كلِماتْ
* * *
في غدٍ نبني لنا عُشّ رؤىً من كلماتْ
سامقاً يعترش اللبلابُ في أحرُفِهِ
سنُذيبُ الشِّعْرَ في زُخْرُفِهِ
وسنَرْوي زهرَهُ بالكلماتْ
وسنَبْني شُرْفةً للعطْرِ والوردِ الخجولِ
ولها أعمدةٌ من كلماتْ
وممرّاً بارداً يسْبَحُ في ظلٍّ ظليلِ
حَرَسَتْهُ الكلماتْ

* * *
عُمْرُنا نحنُ نذرناهُ صلاةْ
فلمن سوف نُصلِّيها
... لغير الكلماتْ ؟

(1954)
-------------------
المصدر
: ديوان نازك الملائكة ، المجلد الثاني ، ص 486 ، دار العودة - بيروت ، 1986



غرباء
أطفئ
الشمعةَواتركناغريبَيْنِهنـا
نحنُ
جُزءانِمن الليلِفمامعنىالسنا?
يسقطُ الضوءُ على وهمينِ في جَفنِ المساءْ
يسقطُ الضوءُ على بعضِ شظايا من رجاءْ
سُمّيتْ نحنُ وأدعوها
أنا:

مللاً
. نحن هنا مثلُ الضياءْ
غُربَاءْ
اللقاء
الباهتُالباردُكاليومِالمطيـرِ
كان
قتلاًلأناشيديوقبرًالشعـوري
دقّتِ الساعةُ
فيالظلمةِتسعًاثمعشرا
وأنا من ألمي أُصغي وأُحصي
. كنت حَيرى
أسألُ
الساعةَماجَدْوىحبوري
إن نكن نقضي الأماسي
, أنتَ أَدْرى,

غُربَاءْ
مرّتِ الساعاتُ كالماضي يُغشّيها
الذُّبولُ
كالغدِ المجهولِ لا أدري
أفجرٌأمأصيلُ
مرّتِ الساعاتُ والصمتُ كأجواءِ الشتاءِ
خلتُهُ
يخنقأنفاسيويطغىفيدمائي
خلتهُ يَنبِسُ في نفسي يقولُ
أنتما تحت
أعاصيرِالمساءِ
غُربَاءْ
أطفئ الشمعةَ
فالرُّوحانِفيليلٍ كثيفِ
يسقطُ النورُ على وجهينِ في لون الخريف
أو لا
تُبْصرُ ? عيناناذبـولٌوبـرودٌ
أوَلا
تسمعُ ? قلباناانطفاءٌوخُمـودُ
صمتنا أصداءُ إنذارٍ
مخيفِ
ساخرٌ من أننا سوفَ نعودُ
غُربَاءْ
نحن من جاء بنا اليومَ
? ومن أينبدأنـا ?
لم يكنْ يَعرفُناالأمسُرفيقين .. فدَعنـا
نطفرُ الذكرى كأن لم تكُ يومًا من صِبانا

بعضُ حـبٍّنزقٍطافَبناثمسلانا
آهِ لو نحنُ رَجَعنا حيثُ كنا

قبلَ أن نَفنَى وما زلنا كلانا
غُربَاءْ

( 1948)
-----------------------------
المصدر
: ديوان نازك الملائكة ، المجلد الثاني ، ص 118 ، دار العودة - بيروت ، 1986


دعوة إلى الأحلام
تعالَ
لنحلُمَ ، إنَّالمسـاءَالجميـلَدنا
ولينُ الدُّجَى وخدودُ النُّجـومِ تُنـادِي
بنا
تعالَ نصيدُ الرؤى ، ونعُـدُّ خُيـوطَ السَّنَا
ونُشْهِدُ منحدراتِ
الرمـالِعلىحُبِّـنَا

* * *
سنمشي معاً فوق صـدْرِ جزيرتنا السَّاهدة
ونُبْقي على الرملِ آثارَ
أقدامِـناالشَّاردة
ويأتي
الصباحُفيُلقيبأندائـهِالبـاردة
وينْبتُ حيث حَلُمْنا
ولووردةًواحـدة

* * *
سنحلُمُ أنَّـا صعدنا
نَرُودُجبـالَالقمرْ
ونَمرحُ
فيعُزلـةِاللا نِهايةواللا بَشَرْ

بعيداً بعيداً ، إلى حيثلاتستطيعُالذِّكَر
إلينا
الوصولَفنحنوراءَامتدادِالفِكَرْ

* * *
سنحلُمُ أنَّـا اسْتَحَلْنا صبيَّيْنِ فوقَ
التـلالْ
بَريئَيْنِ نَركضُ فوقَ الصُّخورِ ونَرْعَى الجِمَالْ
شَرِيدَيْنِ ليسَ
لنامَنْزِلٌ غيرَ كـوخِ الخَيَالْ
وحِينَ
نَنَامُنُمَرِّغُأجسادنافيالرِّمَـالْ

* * *
سنحلُمُ أنَّـا نسيرُ
إلىالأمسِلاللغَـدِ
وأنَّـا
وصلناإلىبابلٍذاتَفجرٍنَـدِ
حَبِيبَيْـنِ
نَحْمِـلُهـواناإلىالمَعْبَـدِ
يُبَارِكُنا
كَاهِـنٌبابلـيٌّنَقِـيُّاليَـدِ

* * *
28 - 9 - 1948
-------------------------
المصدر
: ديوان نازك الملائكة ، المجلد الثاني ، ص 234 ، دار العودة - بيروت ، 1986 .


مرثية امرأة لا قيمة لها
مرثية امرأة لا قيمـة لها
"
صور من زقاق بغداديّ "

ذهبتْ ولم يَشْحَبْ لها خَدٌّ ولم ترجفْ
شفاهُ
لم تسْمعِ الأبوابُ قصَّةَ موتِها
تُرْوَىوتُرْوَى
لم ترتفعْ
أستارُنافذةٍ تسيلُأسىًوشَجْوَا
لتتابعَ
التابوتَبالتحديـقِحتىلاتـراه
إلا بقيَّـةَ هيكلٍ
فيالدربِتُرْعِشُهالذِّكَرْ
نبأٌ تعثَّرَ في الدروبِ فلم يَجد مأوىً
صـداهُ
فأوى
إلىالنسيانِفيبعضِالحُفَـرْ
يَرثي كآبَتَهُ القَمَرْ
.

* * *
والليلُ أسلمَ
نفسَهُدونَاهتمـامٍ ، للصَّباحْ
وأتى الضياءُ بصوتِ
بائعةِالحليبِوبالصيامْ
بِمُواءِ
قِطٍّ جائعٍ لمتَبْقَمنهسوىعظـامْ
بِمُشاجراتِ
البائعين ، وبالمـرارةِوالكفاحْ
بتراشُقِ الصبيان بالأحجارِ في
عُرْضِالطريقْ
بِمَساربِ الماءِ
المُلَوَّثِفي الأزِقَّـةِ ،بالرياحْ
تلهو بأبوابِ السطوح بلا رفيقْ
في شبهِ نسيانٍ عميقْ

* * *
9-7- 1952
------------------------
المصدر
: ديوان نازك الملائكة ، المجلد الثاني ، ص 273 ، دار العودة - بيروت ، 1986



مرثية يوم تافه
لاحتِ الظلمةُ في الأفْق السحيقِ
وانتهى اليومُ الغريبُ
ومضت أصداؤه نحو كهوفِ الذكرياتِ
وغداً تمضي كما كانت حياتي
شفةٌ ظمأى وكوبُ
عكست أعماقُهُ لونَ الرحيقِ
وإِذا ما لمستْهُ شفتايا
لم تجدْ من لذّةِ الذكرى بقايا
لم تجد حتى بقايا
انتهى اليومُ الغريبُ
انتهى وانتحبتْ حتى الذنوبُ
وبكتْ حتى حماقاتي التي سَمّيتُها

ذكرياتي
انتهى لم يبقَ في كفّيّ منه
غيرُ ذكرى نَغَمٍ يصرُخُ في أعماق ذاتي

راثياً كفّي التي أفرغتُها

من حياتي , وادّكاراتي , ويومٍ من شبابي
ضاعَ في وادي السرابِ
في الضباب
.
كان يوماً من حياتي
ضائعاً ألقيتُهُ دون اضطرابِ
فوق أشلاء شبابي
عند تلِّ الذكرياتِ
فوق آلافٍ من الساعاتِ تاهت في الضَّبابِ
في مَتاهاتِ الليالي الغابراتِ
.
كان يوماً تافهاً . كان غريبا
أن تَدُقَّ الساعةُ الكَسْلى وتُحصي لَحظاتي
إنه لم يكُ يوماً من حياتي
إنه قد كان تحقيقاً رهيبا
لبقايا لعنةِ الذكرى التي مزقتُها
.

هي والكأسُ التي حطّمتها
عند قبرِ الأمل الميِّتِ
, خلفَ السنواتِ ,

خلف ذاتي
كان يوماً تافهاً
.. حتى المساءِ
مرت الساعاتُ في شِبْهِ بكاءِ
كلُّها حتى المساءِ
عندما أيقظَ سمعي صوتُهُ
صوتُهُ الحُلْوُ الذي ضيّعتُه
عندما أحدقتِ الظلمةُ بالأفْقِ الرهيبِ
وامّحتْ حتى بقايا ألمي
, حتى ذنوبي
وامّحى صوتُ حبيبي
حملت أصداءه كفُّ الغروبِ
لمكانٍ غابَ عن أعينِ قلبي
غابَ لم تبقَ سوى الذكرى وحبّي
وصدى يومٍ غريبِ
كشحوبي
عبثاً أضرَعُ أن يُرجِعَ لي صوتَ حبيبي